الغزالي

164

إحياء علوم الدين

ولوددت أن الله تعالى أراحنى منكم ، والحقنى بمن أحب رؤيته ، ولو كان حيا لم يصابركم . فإن كان فيكم خير فقد أسمعتكم ، وإن تطلبوا ما عند الله تجدوه يسيرا ، وباللَّه أستعين على نفسي وعليكم . وقال عيسى عليه السلام ، يا معشر الحواريين ، ارضوا بدنيء الدنيا مع سلامة الدين ، كما رضى أهل الدنيا بدنيء الدين مع سلامة الدنيا . وفي معناه قيل أرى رجالا بأدنى الدين قد قنعوا وما أراهم رضوا في العيش بالدون فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما استغنى الملوك بدنياهم عن الدين وقال عيسى عليه السلام ، يا طالب الدنيا لتبر ، تركك الدنيا أبر . وقال نبينا صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « لتأتينّكم بعدي دنيا تأكل إيمانكم كما تأكل النّار الحطب » وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام ، يا موسى لا تركنن إلى حب الدنيا ، فلن تأتيني بكبيرة هي أشد منها . ومر موسى عليه السلام برجل وهو يبكى ، ورجع وهو يبكى . فقال موسى يا رب عبدك يبكى من مخافتك . فقال يا ابن عمران . لو سال دماغه مع دموع عينه ، ورفع يديه حتى يسقطا ، لم أغفر له وهو يحب الدنيا الآثار : قال علي رضي الله عنه ، من جمع فيه ست خصال ، لم يدع للجنة مطلبا . ولا عن النار مهربا ، أولها من عرف الله فأطاعه ، وعرف الشيطان فعصاه ، وعرف الحق فاتبعه ، وعرف الباطل فاتقاه ، وعرف الدنيا فرفضها ، وعرف الآخرة فطلبها . وقال الحسن رحم الله أقواما كانت الدنيا عندهم وديعة ، فأدوها إلى من ائتمنهم عليها ، ثم راحوا خفافا . وقال أيضا رحمه الله ، من نافسك في دينك فنافسه ، ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره وقال لقمان عليه السلام لابنه يا بني ، إن الدنيا بحر عميق ، وقد غرق فيه ناس كثير ، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله عز وجل ، وحشوها الإيمان باللَّه تعالى ، وشراعها التوكل على الله عز وجل ، لعلك تنجو وما أراك ناجيا . وقال الفضيل ، طالت فكرتى في هذه الآية * ( إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ، وإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً ) * « 1 » وقال بعض الحكماء ، إنك لن تصبح في شيء من الدنيا ، إلا وقد كان

--> « 1 » الكهف : 7 ، 8